الشيخ محمد الخضري بك
102
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
يا رسول اللّه هذا منزل أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدّم عنه أو نتأخّر أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال : يا رسول اللّه : ليس لك هذا بمنزل ، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم ، فإني أعرف غزارة مائه وكثرته فننزله ونغور « 1 » ما عداه من الابار ، ثم نبني عليه حوضا ، فنملؤه ماء فنشرب ولا يشربون ، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : لقد أشرت بالرأي . ونهض حتى أتى أدنى ماء من القوم ، ثم أمر بالابار التي خلفهم فغوّرت لينقطع أمل المشركين في الشرب من وراء المسلمين ، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه . ثم قال له سعد بن معاذ سيد الأوس : يا نبي اللّه ألا نبني لك عريشا « 2 » تكون فيه ، ونعدّ عندك ركائبك ثم نلقى عدونا ، فإن أعزّنا اللّه تعالى وأظهرنا على عدّونا ، كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى ، جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا من قومنا ، فقد تخلّف عنك أقوام ، يا نبيّ اللّه ، ما نحن بأشدّ حبّا منهم ، ولا أطوع لك منهم لهم رغبة في الجهاد ونيّة ، ولو ظنّوا أنك تلقى حربا ما تخلّفوا عنك ، إنما ظنّوا أنها العير ، يمنعك اللّه بهم ، ويناصحونك ويجاهدون معك ، فقال عليه الصلاة والسلام : أو يقضي اللّه خيرا من ذلك . ثم بني للرسول عريش فوق تل مشرف على ميدان الحرب ، ولما اجتمعوا عدل عليه الصلاة والسلام صفوفهم مناكبهم متلاصقة ، فصاروا كأنهم بنيان مرصوص ثم نظر لقريش فقال : « اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها « 3 » وفخرها تحادّك « 4 » وتكذب رسولك اللهمّ فنصرك الذي وعدتني به » . وفي هذا الوقت وقع خلف بين رؤساء عسكر المشركين ، فإن عتبة بن ربيعة أراد أن يمنع الناس من الحرب ويحمل دم حليفه عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد اللّه بن جحش ، ويحمل ما أصيب من عيره ودعا الناس إلى ذلك ، فلمّا بلغ أبا جهل الخبر وسمه بالجبن وقال : واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد ، وقبل أن تقوم الحرب على ساقها ، خرج من صفوف المشركين الأسود بن عبد الأسد المخزومي وقال : أعاهد اللّه لأشربنّ من حوضهم ، أو لأهدمنّه ، أو لأموتنّ دونه ، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب
--> ( 1 ) أي ندفن ونطمس . ( 2 ) العرش كل ما أظلك وعلاك من فوقك . ( 3 ) كبريائها . ( 4 ) تعاديك .